الجمعة24112017

اخر تحديث UTC3_الثلاثاءAMUTCE_تشرين1/أكتوير+0000Rتشرين1AMUTC_0AMstUTC1509446624+00:00الثلاثاءAMUTCE

Back أنت هنا: الرئيسية المجتمع المدني المجتمع المدني الخارطة الحزبية والتحالفات السياسية في تونس: مختصّون وأكاديميون يُحلّلون المشهد الحزبي وتوجهاته

الخارطة الحزبية والتحالفات السياسية في تونس: مختصّون وأكاديميون يُحلّلون المشهد الحزبي وتوجهاته

TuPتناغما مع الحركية التي يعرفها المشهد السياسي الوطني بما فيه من جدل وتصاعد لوتيرة الاستقطاب والاستعدادات الحزبية والانتخابية، وبما فيه أيضا من تضارب بدا مؤخرا صارخا في الأجندات الحزبية وتطلعات النخب والسياسيين وانتظارات الشارع التونسي والرأي العام الوطني

، تناغما مع هذا كلّه تفتح صحيفة «الشروق» هذا الملف في محاولة لتفكيك طبيعة العلائق والميكانيزمات التي تحرّك الخارطة السياسية والحزبية حاضرا ولاستقراء الامكانيات التي يمكن ان يستقرّ عليها الوضع في المستقبل.

اعتماداً على رؤى وتصورّات وتحليلات لعدد من الجامعيين والأكاديميين الذين عُرفوا بمتابعتهم للشأن السياسي والحزبي وبتوضيفهم المستمر لمختلف تحولاته وإرهاصاته.

د. أبو يعرب المرزوقي : الاسلاميون هم اليمين... والقوميون هم يمين اليسار !

الثورة صنعها الشعب ولكن الطبقة السياسية لا تزال بعقلية متخلّفة عن الثورة فحتى الساعة ليست هناك أحزاب تؤمن بأن الثورة حصلت وانما هي أحزاب تريد أن تعود الى ما كان موجودا في السابق، بمعنى أن كل هذا التسابق على السياسة لا يمكن ان يكون دافعه البحث عن المصلحة العامة بل هو نابع من الظن أن السياسة وسيلة من وسائل الإثراء السريع، وهذا يجعل من الصعب تصديق أن كل هؤلاء تحمّسوا للفعل السياسي حبا في الجهاد والتضحية من أجل الشعب.

ولو كان هؤلاء الذين أنشؤوا أحزابا مؤمنين حقا بأن الفعل السياسي المتحزّب يفيد البلاد ويفيد الثورة كان يفترض عليهم ان يكونوا مجموعات ممثلة عن الشعب، وتمثيل الشعب ليس اعتباطيا بل له قوانين، ففي أي مكان من العالم يجتمع الناس لتكوين أحزاب إما من منظور الحرية والمبادرة الخاصة والتنافس على المصالح المادية او من منظور التعاون والعدالة الاجتماعية، وهما الموقفان الأساسيان اللذان يتولد من حولهما على أقصى تقدير حزبان او ثلاثة، وهذان التوجهان يمثلان أساسا اليمين واليسار.

وقد اكتشف اليمين أنه لن ينجح ديمقراطيا الا اذا استجاب لمطالب الجمهور فيأخذ شيئا من برنامج اليسار (العدالة الاجتماعية).

أما اليسار فاكتشف انه لا يمكن الاستجابة لحاجات الجمهور دون انتاج أي أنه لابد من التشجيع على الانتاج والمبادرة، وهنا يلتقي مع اليمين.

اذن نحن ازاء أربعة تيارات: اليسار ويمين اليسار واليمين ويسار اليمين، وفي الغالب هذه هي الأحزاب الاربع ونجد ايضا اليمين المتطرف واليسار المتطرف لكنهما لا يصلان الى الحكم.

وهذه الأحزاب الاربعة تتقاطع مع عاملين آخرين تاريخيين هما الاسلام والقومية.

وفي الغالب الاسلاميون هم من يسار اليمين والقوميون هم من يمين اليسار، وفي الحقيقة فإن الأحزاب الموجودة الآن ستنحسر نحو أربعة اتجاهات ونحو حزبين سيحكمان، أما البقية فقد تشارك في الحكم بالتحالف معهما.

وطالما ان هناك قانونا لتكوين الأحزاب فالمفروض أن يتم وضع شرط بحيث لا يصبح الحزب قانونيا الا اذا وفّر على الأقل 5 آلاف مشترك من مختلف أنحاء الجمهورية حتى لا يتحول الى حزب جهوي.

وثمة نقطة ثانية وهي ان الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة وكذلك الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ليست لهما اية شرعية، فالشباب الذي صنع الثورة أحق بهذه الشرعية والحكومة التي قبلها الشعب مؤقتا لها شرعية ولو كانت تلك الهيئة (العليا لتحقيق أهداف الثورة) لجنة تقنية فقط نقبلها ولكنها لجنة ستحدد أمورا مصيرية وادعت لنفسها حق التقرير، وبمجرد ان سمحت لنفسها بذلك ليس على وجه الدور الاستشاري بل الدور التقريري تحولت الى سلطة تشريعية (غير منتخبة) وهذا هو الاستبداد.

وثمة أيضا قضية العقد الجمهوري فهذا مطلب غير شرعي لأنه يستبق سيادة الشعب في اختيار نموذج الحكم وفي الحد من سلطة المجلس التأسيسي والسلطة التشريعية، وأما الحجة التي يقولون انها حماية المكتسبات فهي مردودة على أصحابها فهي في الحقيقة وصاية من أقلية على الشعب، وهذا هو الاستبداد فلا يحمي الشعب من اي خطر الا الشعب بالآلية الديمقراطية.

وأود ان أشير في هذا الباب الى أنني عارضت عام 1988 الميثاق الوطني الذي دعا اليه بن علي ووافقت عليه الاحزاب ودعوت آنذاك الى الحد من سلطات الرئيس وخروجه من الحزب الدستوري حتى يكون بحق رئيسا لكل التونسيين.

وبخصوص «القطب الديمقراطي الحداثي» أنا «أؤيد» تكوين هذا القطب وأتمنى ان يكون له وزن واعتقد انه اذا واصل هؤلاء (الذين شكّلوا القطب) تعريف الحداثة بالمقابلة مع الاصالة فإن ذلك يعين أمرين أولهما أن تصورهم للحداثة والاصالة كاريكاتوري، والامر الثاني ان هذا الكاركاتور فيه عداء للحداثة والاصالة وللشعب الذي يريد حداثة أصيلة.

فإذا كان هؤلاء ديمقراطيين فعلا فليصغوا الى الشعب وهذا لا يعني اتباعه في كل شيء، بل في الأساسيات وليس هناك من الأساسيات أكثر من الخيارات التي يؤمن بها الشعب... فعندما يقابل هؤلاء بين الحداثة والأصالة فكأنهم يسعون الى الفشل في التحديث في حين أنه يمكن الاتفاق على تحديث غير مستبد ينتج عن مسار طويل في تربية الشعب.

الأستاذ عدنان المنصر: الأحزاب «تنزحُ» نحو الوسط...والسيطرة عليه ستُحدّد المسارات الانتخابية القادمة

من الضروري قبل الإجابة على هذا السؤال تحديد الأسباب التي جعلت الحزب الحاكم السابق يسيطر على الخريطة السياسية. بغض النظر عن العوامل التاريخية وعن شدة ارتباطه بالإدارة واستغلاله لأقدميته التاريخية وتحالفه مع كل مراكز القوى الاقتصادية بالاعتماد على شبكة معقدة من المصالح والمنافع المتبادلة، فإن ما مكن ذلك الحزب من احتلال الوسط هو عدم استناده لأية إيديولوجيا. طيلة عهد الرئيس المخلوع تحول الحزب المذكور إلى ساحة لعب لكل الفئات الانتهازية، ولم تستطع العناصر «النظيفة» فعلا المحافظة على مواقعها فخيرت الانسحاب أو رضيت بالصمت.

تشهد الخريطة السياسية اليوم نزوحا لدى معظم مكوناتها الكبرى نحو الوسط، وتتحول بعض الأحزاب التي عرفت بنضاليتها طيلة العهد البائد إلى استقطاب الدستوريين في سباق تحضر فيه الرغبة الأكيدة في الاستيلاء على أكبر نصيب ممكن من جثة التجمع المنحل. هذا التسابق نحو فتح الأبواب أمام الدستوريين لا يكاد تستثنى منه إلا الأحزاب الإيديولوجية التي تعتبر أن الحفاظ على التناسق الإيديولوجي أهم من حشد الأنصار، بل أهم من الرهان الانتخابي الذي يبقى بالنسبة لديها رهانا ثانويا مهما بلغت أهميته. في نظري فإن الأمر لا يجب أن يتخذ حساسيته المفرطة المعروفة، فجانب كبير من التجمعيين سابقا لم يكونوا في ذلك الحزب إلا بحكم «الضرورة» أو بحكم اعتباره قدرهم الحتمي. المشكل يبقى فقدان الأحزاب لما يميزها من سياق نظري وتجربة تاريخية منحاها في السابق القدرة على التميز والبقاء.

سيؤدي نزوح الأحزاب نحو الوسط إلى مشكل خطير عرفته تجربة الأحزاب في سياق تاريخي مشابه: إحساس المناضلين القدامى بالغبن، وامتلاء الصفوف بالانتهازيين. هذا سيؤدي إلى انشقاقات عديدة عن تلك الأحزاب (مثال ما يحصل في الحزب الديمقراطي التقدمي) وربما إلى تأسيس أحزاب أخرى يسعى أصحابها إلى المحافظة على الخط الإيديولوجي السابق. في حالات أخرى، وعندما تكون المرجعية الفكرية أكثر صلابة بما يمنع الانشقاقات، سيؤدي ذلك إلى تحقيق قبول أوسع في الرأي العام وكسر حاجز العداء لحزب معين داخل أوساط كانت في السابق مغلقة تماما أمامه (حركة النهضة). هذا ما يجعل في نظري أن الانتصار في معركة السيطرة على الوسط، وهو ما يعني في صيغة أخرى الصراع على الفوز بأكبر نسبة من جثة الحزب الحاكم السابق، هو ما سيحدد المنتصر في المسارات الانتخابية القادمة.

لكن الصراع على الوسط لا يعني ترك اليمين فارغا. ذلك ما يفسر حرص نفس الأحزاب المعنية بالصراع على تركة الحزب المنحل تقوم بالدعاية لنفسها في أوساط طبقة رؤوس الأموال، وهو ما يفسر دخول المال السياسي إلى حلبة الصراع بطريقة غير مسبوقة في تاريخ البلاد، وبكيفية تنبؤنا عن الحدة التي سيأخذها الصراع مع الاقتراب من الموعد الانتخابي. في ظل النفور الشعبي الظاهر من الأحزاب العديدة التي فرخها التجمع المنحل، وفي حضور شكوك كبيرة لدى طبقة رجال الأعمال في قدرة تلك الأحزاب على فرض نفسها في المشهد الجديد، تفضل رؤوس الأموال عدم وضع كل بيضها في سلة حزب واحد، وهذا أمر طبيعي جدا من منطلق التكتيك السياسي.

أما من ناحية اليسار، فالأمر أكثر تعقيدا وبساطة في آن واحد. يمنع ترسخ الإيديولوجيا اليسارية لدى بعض الأحزاب من السير في نفس الطريق، ويتعلق الأمر بالأحزاب اليسارية الراديكالية. أما الإصلاحية اليسارية ممثلة في حركة التجديد، وريثة الحزب الشيوعي، فهي تبدو متأرجحة بين منطقين: منطق الحرص على البقاء في مربعها الإيديولوجي الأصلي بما يمنحها القدرة على تجميع بقية اليسار حولها (وهو أمر ظهر من خلال السعي لتأسيس ما سمي بالقطب الديمقراطي الحداثي الذي لا شيء يدل على أنه سيمثل أي وزن في الانتخابات القادمة) ومنطق السقوط في إغراء الوسط وبعض اليمين، وهو ما ترجمته اتصالات حركة التجديد برؤوس الأموال السياحية، تلك الاتصالات التي لم تثمر بناء جسر ثقة حقيقية بين الطرفين

سالم لبيض: نجاح القوميين مشروط بنبذ الخلافات... وهكذا أرى خارطة التحالفات

نحن أمام مشهد سياسي شديد التعقيد، أمام المواطن العادي وحتى أمام المختص الى حدّ ما، وذلك بسبب كثرة الأحزاب والتنظيمات السياسية من ناحية وبسبب غموض برامج هذه الأحزاب وتصوراتها حول المرحلة الجديدة وأيضا بسبب عدم القدرة على تفكيك مكوّنات هذا المشهد.

وفي البداية لا بدّ أن نضع المتابع والمواطن العادي أمام اشكال كبير وهو اشكال الاحصائيات في تونس، فالاحصائيات المعتمدة قديمة تعود الى سنة 2004 ولا تحظى بالمصداقية الكافية، ولعلّ نظام النائب عن كل 60 ألف ساكن قد فرض خلفيات انتخابية لا تنسجم مع حقيقة حجم السكان وهذه مسألة لا بدّ من مراجعتها.

وبخصوص الأحزاب والقوى السياسية الموجودة حاليا هناك أحزاب تقليدية كانت تعارض زمن بن علي وتقدم الآن نفسها كبدائل لكنها لم تغيّر برامجها واعتبرت أن تلك البرامج التي عملت بها في مرحلة بن علي لا تزال صالحة الآن، وهناك قوى وأحزاب صغيرة مبهمة البرامج وغير معروفة لدى عامة الناس، وهذه قوى محدودة الفعل، وهناك صنف ثالث هي قوى ذات طبيعة ايديولوجية ولها وجود جماهيري ولم تبلور بعد برامج حقيقية، وهناك صنف رابع وهي أحزاب ولدت من رحم التجمّع ولها خبرة انتخابية كبيرة، لكنها لا تستطيع أن تروّج لنفسها بسبب ماضيها.

أما في ما يتعلق بمشهد التحالفات فأعتقد أن الحركات الدينية بصورة عامة بما فيها حركة «النهضة» تتمتع بخزّان انتخابي كبير جدا في الأحياء الشعبية بالعاصمة والمدن الكبرى ولها مداخل مبسّطة يمكن أن تصل الى عامة الناس بسهولة وهناك قوة ثانية وهي القوى القومية التي لها وجود وامتدادات في الجهات، لكن مشكلتها أنها لم تتجاوز خلافاتها ونزعة الشخصنة في داخلها والزعاماتية المفرغة من أي محتوى، فإذا تحالفت هذه القوى القومية مع التيار الوسطي ستكون ذات وزن كبير في المستقبل.

وهناك أيضا قوى حداثية تنسب نفسها الى التيار التقدمي وهناك بعض الأحزاب الليبرالية من يسار الوسط وهي لم تستطع أن تعقد تحالفات لا مع القوى القومية والاسلامية ولا مع التقدمية الحداثية.

الأستاذ منصف ونّاس: الحراك الحزبي ظاهرة صحية وخطوة ضرورية لإنجاح الديمقراطية

لا يمكن فهم ما يحصل في تونس بعد 14 جانفي 2011 دون العودة الى ما قبل هذه الثورة، فقد تمّ على امتداد 55 سنة منع التعبير الحرّ وتمّ إلغاء حقّ التنظّم النقابي والحزبي والجمعياتي والمؤسساتي، الأمر الذي جعل المجتمع التونسي يحتقن يوما بعد يوم وسنة بعد سنة.

ولهذا كان من الطبيعي أن يحصل انفجار هائل في مجال المطالبة بحق التنظّم وحق التعبير وحق المشاركة السياسية والاجتماعية، فقد كان حقّ التنظّم المؤسساتي والقانوني ممنوعا ولهذا من الطبيعي أن يمارس الجميع هذا الحق في ظلّ هذه المرحلة.

وأنا أرى أن هذه ظاهرة صحية وتدل على حجم أهمية مطلب التعبير في المجتمع التونسي، وهي ظاهرة شأنها شأن الاحتجاجات المطلبية التي لم تتم تسويتها على امتداد 23 سنة، والتي وجدت اليوم فرصة استثنائية للتعبير عن النفس والمشاركة وإبداء الرأي والتعبير عن الاحتجاجات، ولكن من شأن كل ذلك أن ينتظم تدريجيا وأن يعود التونسيون الى العمل والانتاج والجهد وهذا أمر لا شكّ فيه البتّة.

كما أن مسألة الانتخابات هي اشكال ظرفي سيتم حلّه في أقرب الأوقات.

إذن لا توجد في المشهد الحالي مشاكل عميقة وعويصة يصعب حلّها لكنها ظروف طارئة تعود الى مرحلة ما بعد الثورة، فالمجتمع التونسي يتحرّك اليوم وفق نظامين متباينين من السرعة يفسّران الى حدّ كبير هذا التجاذب حول الانتخابات، فثمّة أحزاب موجودة قبل 14 جانفي 2011 وتتوفر على قاعدة شعبية ولا على بنية تحتية تساعدها على المشاركة في الانتخابات.

هذه السرعة المتباينة تفسّر الى حد كبير تباين مواقف الأحزاب من الانتخابات وتفسّر أيضا درجة تباين أوضاع الأحزاب والقوى داخل المجتمع المدني التونسي.

ولهذا أنا لا أعتبر الوضعية صعبة وتستحيل السيطرة عليها، بل هي فترة ظرفية وانتقالية تتسم ببعض الاضطراب وعدم الاستقرار لكنها قابلة للسيطرة ولا نشك في أن تونس قادرة على الخروج من الصعوبات السياسية وإنجاز الانتخابات وتحقيق الانتقال الديمقراطي وإن كان الشك يساورنا في مدى قدرة تونس على إيجاد حلول للمعضلة الاقتصادية، فتونس تحتاج الى أربع أو خمس سنوات حتى تتمكّن من مجابهة الأوضاع الاقتصادية والتحكّم في التشغيل والعودة الى الوضعية الاقتصادية الطبيعية.

د. عبد الجليل التميمي: تونس لا تحتاج الى كل هذه الأحزاب ولن يبقى منها الا القليل

أولا لابد أن نؤكد أن ما تعيشه بلادنا هي ثورة وليست انتفاضة بكل معنى الكلمة، وبهذه الثورة قطعنا الطريق على العهد البائد بكل مساوئه وفساده وأخطبوط التجمع.

كانت البلاد في غيبوبة حضارية غيبت بلادنا وأساءت لها وجعلتها في أسفل السافلين، اذ تنطلق الثورة من شباب عاطل ومن الجنوب أي من حيث لم ينتظرها النظام هذا يدل على عبقرية الثورة وتميزها وعصرنتها فهي الثورة الوحيدة التي تمكنت خلال وقت وجيز ان تدك واحدة من أكبر الدكتاتوريات ولم نحتج لا تركيا ولا أمريكا ولا لأي دولة أخرى، بل الشباب المدرك والشعب لعبا الدور الفاعل.

المؤمل الآن من مختلف الأحزاب والتيارات الفكرية والنخب ان تموقع هذا الحدث الجلل الذي جاد به المجتمع عليها وعلى ضوء ذلك يجب أن تمر القيادات السياسية والنخب لتعالج القضايا الأساسية التي برزت مع هذه الثورة.

وما أود ان أقوله في هذا الاطار شخصيا لا أؤيد أن تصل بلادنا الى مائة حزب وعلى السلط الفاعلة ان تسعى الى خلق تيار جديد ناضج تجتمع فيه هذه القوى في كتل كبيرة جدا لكن ليس 60 أو 80 حزبا لأن معظم هذه الأحزاب ليس لأغلبها لا برامج ولا قاعدة جماهيرية.

هناك أحزاب لها برامج لكن هناك أخرى مازالت تبحث عن وجود لها، كان الأولى بالمجتمع ان يتوحد في تكتلات كبيرة لا تتجاوز الـ10 تكتلات لأن كثرة الأحزاب تخلق نوعا من عدم الاطمئنان لدى الرأي العام، اثر هذه الظاهرة التي انساق خلفها كل من أراد البروز.

الاحزاب عموما هي طريقة في ادارة الشعب وتعددها بهذا الشكل يعني تفتيت الشعب وادارته.

هذا في بعض الجوانب لكن في بعض الأحيان يمكن ان نتحدث حتى عن التمويل المستراب.

كذلك يمكن ان نتحدث عن تقاطع المواقف حول تحديد يوم 24 جويلية للانتخابات أو 16 أكتوبر نحن في مؤسستنا عندما عقدنا أول ندوة يوم 19 جانفي حصل اتفاق بين 150 ممن حضروا على ان يكون آخر أسبوع من أكتوبر موعدا للانتخابات لسوء الحظ الأحزاب لا تقرأ والهيئة أيضا أود ان يكون الاختيار ناضجا وواعيا ليعكس نضج الحضارة التونسية.

هذه الانتخابات مصيرية وستتحدد مستقبل البلاد خلال الـ30 أو الـ40 سنة المقبلة ويتوجب على الاحزاب ان تعد أرضية توافقية والبداية بهذا التشتت الذي نشهده غير مقبولة.

ونحن كباحثين ندعو الى احترام الشعب وأن لا يقع الدوس على كل القيم في بلادنا، فمثلا خروج النهضة من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة موقف لا يخدمها وهو عدم احترام للتوافق المجتمعي صحيح أن النهضة من الاحزاب التي دمرت في عهدي بورقيبة وبن علي لكن عليها ان تعرف كيف تسيس هذا الارث القمعي من خلال كسب الناس عن طريق الحوار.

أرجو أن يكون الحوار هو ديدن النهضة وغيرها من الأحزاب اتمنى ان لا يسيطر حزب على التوجه السياسي في بلادنا حتى لا نقع في عقلية الانفراد بالسلطة وفي هذا الموقف يجب ان يدافع الجميع عن تونس وليس عن المصالح الحزبية الخاصة.

المرحلة لا تسمح باضاعة الوقت والفرص والعالم مشرئب الى تونس وكما كنا أصحاب قيادة وزيادة في هذه الثورة يجب ان تنصب سلوكيات الاحزاب في مصلحة هذه النتيجة التي ينتظرها الجميع.

هناك نوع من الوفاق الذي يجب ان يتأتى منه دستور جديد وهذا يتطلب اثبات القواسم المشتركة التي هي رمز لنضج تونس السياسي فلا تتهاونوا مع هذه المبادئ الأساسية في مصيرية هذه الثورة العبقرية.

كذلك تقع على كل الاحزاب مسؤولية جديدة في مستوى سمو هذه الثورة وهو أن لا يتقاطعوا وان لا يهاجم بعضهم البعض وان لا يستغلوا الاعلام للتهويل والغطرسة والهيمنة يجب ان نأخذ في الاعتبار قيمة التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب وان نبرهن على ان تونس التي عاشت في ظل أبشع نظام قادرة ان تكون ذات دور ريادي ونخبنا متميزة وكتابنا بارعون وكل هذا يجب ان يكون في مستوى هذه الثورة الرائعة.

كمؤرخ آلمتني هيمنة القانونيين على الساحة السياسية، فهيمنة القضاة والقانونيين جعلتهم وكأنهم الواجهة الأولى في هذه الثورة، لكن هناك علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين وغيرهم من المفكرين الذين لعبوا دورا مهما في بلادنا وتحملوا القمع بمختلف اشكاله.

وما زاد الطين بلة طبيعة الاعلام الموجه الذي غيب الكثيرين من رجالات تونس الذين يسعون الى بناء تونس جديدة قوامها الاخاء والتوازن تشرف تراثها وتاريخها وهويتها العربية الاسلامية ولغتها التي يجب ان يعتز بها كل تونسي وتونسية مع الحرص على الانفتاح على كل اللغات خاصة اللغة الانقليزية مثلا نحن غيبنا التجربة الأمريكية اللاتينية وأنا أدعم رجالات الاعلام والثقافة الى أن يقفوا على روائع التجربة الماليزية أو البرازيلية.

الأستاذ صلاح الدين الجورشي: الاستقطاب الحزبي مضرّ... وانهيار الوفاق يربك الحياة العامة ويهدّد أركان الدولة

إنّ الصرّاعات الايديولوجية وهذا الاستقطاب الذي عاد الى الساحة بعد انهيار نظام بن علي مضرّ جدا ولن ينفعنا خاصة إذا لم يحصل توافق في هذه المرحلة. أما المرحلة المقبلة فستشهد خلافات تتعلق أساسا بطبيعة النظام ولن تتمحور حول قضايا مثل الهويّة واشكالية الفصل الأول من الدستور.

كما أن وثيقة الدستور الجديدة ستنبثق من الوثيقة القديمة ولن تأخذ منا وقتا طويلا حتى ننتقل مباشرة الى استكمال الشرعية.

ومن الواضح الآن أن الأولوية القصوى لمختلف الأطراف سواء كانت الحكومة أو الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والاصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي أو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، هي كيف نعيد الشرعية الى البلاد لأن في غياب هذه الشرعية أصبحت الدولة مهدّدة في وجودها وفي فاعليتها وإذا اعتبرنا أن هذا هو الهدف فإن النقطة الأساسية هي اعادة الوفاق حول خارطة طريق (كانت في المرحلة الماضية واضحة نسبيا من خلال تحديد موعد 24 جويلية) والآن أصبحت استحالة هذا الموعد معلنة.

المطلوب إذن هو الاتفاق على موعد قادم تلتزم به مختلف الجهات لأن عدم الاتفاق أضرّ بمصداقية الطبقة السياسية برمتها، فالمواطنون يعيشون حالة من الغموض والارتباك والتساؤل الآن هو من المسؤول؟ والمواطنون يؤاخذون على المسؤولين الجدّد الذين يريدون قيادة العملية السياسية بعد الثورة تردّدهم الذي يفقدهم ثقة الشارع.

وبناء عليه أعتقد أن عدم توافق مكوّنات النخبة السياسية يعكس حالة من الغموض وعدم الارتقاء الى دقة الظرف الذي تمر به البلاد، وفي مرّات عديدة أكدت أن المسألة الاقتصادية في غاية الأهمية والخطورة، لكن البعض يرى في الوضع الاقتصادي فزّاعة يجب ألاّ تخيف التونسيين ونخبتهم وهذا تحليل خاطئ لأن الاقتصاد هو المحرّك للسياسة وكلما انهار الوضع الاقتصادي انهارت معه الحياة السياسية الى مأزق خطير وهذا يتسبب في حالة من التسيّب الاجتماعي وردود فعل تهزّ بناء الدولة.

وأنا أعتقد أن عملية التوافق ممكنة جدّا وشخصيا لا أفهم ماهي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الجدل وعدم التوافق لأن المسألة تتعلق بتحديد موعد سيستفيد منه البعض وقد يضرّ البعض الآخر لكنه سيشكل فرصة للجميع لبناء تحالفاتهم والاستعداد بشكل جيّد للحملة الانتخابية.

وبالمناسبة نحن لسنا أمام حملة انتخابية عادية تتعلق بافتكاك أكبر عدد ممكن من المقاعد بل أمام مهمّة تاريخية هي التوافق حول الدستور، دستور التونسيين الذي سيحكم مجتمعهم على امتداد 40 سنة أو 50 سنة قادمة.

إذن مسألة التوافق شرط أساسي وأعتقد أن التوافق ممكن لأنه حصل في المرحلة السابقة وأشير هنا الى أنه مقارنة بالثورة المصرّية، فإن أهم انجاز هو ايجاد صيغة (لهذا التوافق) عبر الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة على ضعفها وتناقضاتها الداخلية، فمع ذلك بقيت الهيئة الآلية الوحيدة لامكانية بناء توافقات مرحلية وأنا أدعو الى تدعيم هذه الهيئة حتى لا تنهار اذا انهارت سنجد أنفسنا أمام مزيد من ارباك الحياة العامة وسنتصارع على صيغة جديدة للتوافق قد لا نظفر بها.

المصدر: تونس (الشروق)

 

Find us on Facebook
Find us on Facebook